فخر الدين الرازي
216
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
التأويل في قولك قبل الأكل بسم اللّه وكذا قبل كل فعل مباح ؟ قلنا : فيه وجهان أحدهما : أن ذلك إضافة مجازية كما تضيف ضيعتك إلى بعض الكبار لتدفع بذلك ظلم الظلمة ، كذا تضيف فعلك إلى اللّه ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك ، فقد روي أن من لم يذكر اسم اللّه شاركه الشيطان في ذلك الطعام والثاني : أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى على طاعة اللّه فيصير المباح طاعة فيصح ذلك التأويل فيه . أما قوله : رَبِّكَ ففيه سؤالان : أحدها : وهو أن الرب من صفات الفعل ، واللّه من أسماء الذات وأسماء الذات أشرف من أسماء الفعل ، ولأنا قد دللنا بالوجوه الكثيرة على أن اسم اللّه أشرف من اسم الرب ، ثم إنه تعالى قال هاهنا : بِاسْمِ رَبِّكَ ولم يقل : اقرأ باسم اللّه كما قال في التسمية المعروفة : بسم اللّه الرحمن الرحيم وجوابه : أنه أمر بالعبادة ، وبصفات الذات ، وهو لا يستوجب شيئا ، وإنما يستوجب العبادة بصفات الفعل ، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة ، ولأن هذه السورة كانت من أوائل ما نزل على ما كان الرسول عليه السلام قد فزع فاستماله ليزول الفزع ، فقال : هو الذي رباك فكيف يفزعك ؟ فأفاد هذا الحرف معنيين أحدهما : ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل والثاني : أن الشروع ملزم للإتمام ، وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك ؟ أي حين كنت علقا لم أدع تربيتك فبعد أن صرت خلقا نفيسا موحدا عارفا بي كيف أضيعك ؟ . السؤال الثاني : ما الحكمة في أنه أضاف ذاته إليه فقال : بِاسْمِ رَبِّكَ ؟ الجواب : تارة يضيف ذاته إليه بالربوبية كما هاهنا ، وتارة يضيفه إلى نفسه بالعبودية ، أسرى بعبده ، نظيره قوله عليه السلام : « علي مني وأنا منه » كأنه تعالى يقول : هو لي وأنا له ، يقرره قوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] أو نقول : إضافة ذاته إلى عبده أحسن من إضافة العبد إليه ، إذ قد علم في الشاهد أن من له ابنان ينفعه أكبرهما دون الأصغر ، يقول : هو ابني فحسب لما أنه ينال منه المنفعة ، فيقول الرب تعالى : المنفعة تصل مني إليك ، ولم تصل منك إلى خدمة ولا طاعة إلى الآن ، فأقول : أنا لك ولا أقول أنت لي ، ثم إذا أتيت بما طلبته منك من طاعة أو توبة أضفتك إلى نفسي فقلت : أنزل على عبده يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا [ الزمر : 53 ] . السؤال الثالث : لم ذكر عقيب قوله : رَبِّكَ قوله : الَّذِي خَلَقَ ؟ الجواب : كأن العبد يقول : ما الدليل على أنك ربي ؟ فيقول : لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدوما ثم صرت موجودا فلا بد لك في ذاتك وصفاتك من خالق ، وهذا الخلق والإيجاد تربية فدل ذلك على أني ربك وأنت مربوبي . أما قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون قوله : الَّذِي خَلَقَ لا يقدر له مفعول ، ويكون المعنى أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه والثاني : أن يقدر له مفعول ويكون المعنى أنه الذي خلق كل شيء ، فيتناول كل مخلوق ، لأنه مطلق ، فليس حمله على البعض أولى من حمله على الباقي ، كقولنا : اللّه أكبر ، أي من كل شيء ، ثم قوله بعد ذلك : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات ، إما لأن التنزيل إليه أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض والثالث : أن يكون قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ مبهما ثم فسره بقوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته .